|
الحياة الجديدة _
الخميس 30 اب 2007 العدد 4258
تميم
المكان والمكانة
احمد دحبور
حين جمعني اللقاء الاول الى تميم البرغوثي، لم
اره رأي العين! فقد
كان لا يزال جنينا في الاشهر الاخيرة، وكان ابوه
الشاعر مريد البرغوثي قد اصطحبني
الى نادي الحمام، على شاطئ النيل احتفالا
بزيارتي الطويلة الى القاهرة يومذاك
وبرفيقة عمره الكاتبة د. رضوى عاشور، التي
كانت تخبئ له، لهما، في من سيكون ابنهما
البكر، والوحيد.
ومع ان اسباب السعادة كانت مهيأة لاستقبال
الوافد الجديد الا ان
الاقدار الفلسطينية شاءت ان يبلغ تميم السنة
الثانية وان تبرز اسنانه اللبنية، حين
يكون ابوه بعيدا عنه في منفى قسري، واذا جمع
الله الشتيتين، فقد فرق العمل الى حين
بين الزوجين الشابين يوم واظبت د. رضوى على
اداء مهامها استاذه مرموقة في جامعة
بلادها بينما التحق مريد بالسفارة
الفلسطينية ملحقا ثقافيا في هنغاريا، وسيجتمعان
من جديد ويصبح بيتهما في القاهرة ملتقى
لاصدقائهما المثقفين المصريين وضيوفهما
الذين لا يكفون عن التوافد من مختلف الاقطار
العربية وكانت موضوعات اللقاءات
الاثيرة تتعلق بالهموم الثقافية والوطنية
وما ينفع الناس.
في هذه البيئة نشأ
تميم الى ان فاجأ والديه وهو في سنواته
الغضة بمحاولاته البكر في الكتابة الشعرية
باللهجة العامية المصرية، ولم يطل الوقت حتى
جن الشاعر الكبيري عبد الرحمن الابنودي
بالموهبة المباغتة واصطحبه الى امسية شعرية
مشتركة! الا ان الموهبة المتفجرة لم تقف
عند حد احتفال بطفل يشجعه ابواه واصدقاؤهما
بل بدأ يكتب الشعر الفصيح بما هو شعر
حقيقي وليس مجرد قرزمة يحاولها فتى مبتدئ.
ويلحق بالاسرة مصاب مس الفلسطينيين
جميعا فقد استشهد منيف البرغوثي الشقيق
الاكبر لمريد في باريس والقى اللوبي
الصهيوني الفرنسي ثقله لإبعاد الموساد عن
المساءلة، وكان على الفتى البازغ في هذه
البيئة، تميم البرغوثي ان يعي انتسابه الى
شعب مضرج بدمه لا لشيء الا بسبب الهوية
الوطنية ولم يلبث ان شب وخرج في مسيرة ففوجئ
بالكأس التي تجرعها ابوه من قبل فقد
اصبح مبعدا ولو الى حين.
وكتب شعرا وكانت تلك من اشجى القصائد
العامية المصرية
لشاعر شاب يحار في وطنه الثاني، انه محكوم بعشق
البلد الذي ارضعه المحبة والثقافة
ومعنى الانتماء، لكنه منفي عنه لأنه يحبه،
كيف؟ تلك هي الدراما التي وجد تميم نفسه
لا معلقا عليها بل احد ابطالها.
واذا رأى اسمه مطبوعا لأول مرة في كتاب فقد
كان
ذلك في رواية امه التي اهدت اليه روايتها غرناطة، وقد كانت د. رضوى
تدرك ما تفعل
فإنما يعيد العرب انتاج ضياع فردوسهم المفقود وليس
جيل تميم الا جيل الذبيحة الوارث
الامين على هذه التجرية.
ويظهر اسمه مطبوعا كذلك في قصائد والده
الشاعر مريد
البرغوثي، ليجتمع اليه من جديد في رواية والدته
التي اطلقت عليها عنوانا دالا:
اطياف، وكانت هي شخصيا وزوجها الشاعر الفلسطيني
وابنهما المولد العربي تميم
البرغوثي من ابطال تلك الرواية.
هكذا نشأ في ظل هذه المعاناة وبرعاية هذه
الثقافة وبوعي هذه التربية واذا بموهبته
تقلع دفعة واحدة وسط الفرح والدهشة
والاعجاب، واكاد اقول: الذهول.
كان العرب حين ينبغ فيهم شاعر يقتادونه الى
المربد او عكاظ ويقيمون الافراح كأنهم رزقوا
بمولود جديد، وهاهم الفلسطينيون يفرحون
على طريقتهم بشاعرهم الشاب الذي كف عن ان
يكون الطفل المعجزة الذي يحتاج الى تشجيع،
بل هو شاعر كأي شاعر ناضج وعليه منذ الان ان
يغطس في المقلاة على حد تعبير كاتبنا
الشهيد غسان كنفاني ليعارك الفن والحياة
ويعيد انتاج الحياة شعرا معافى.
لا
تشجعوا تميما بل اعقدوا عليه الآمال ولا
تقولوا: هذا الشبل من ذلك الاسد بل ان هذا
الاسد من ذلك الاسد.
ويا زميلنا الجديد تميم مريد البرغوثي اهلا
بك في النادي لا
اقصد نادي الحمام الذي جمعني اليك منذ ما قبل
ولادتك بل نادي الشعر الذي سأكون
سعيدا حين تستقبلنا فيه انا ووالدك ونحن نخب
في طرقات ما بعد الستين بينما انت في
صدارة المكان والمكانة.
والان هل استرسل ام اترك الدمعتين تكملان
النشيد؟
|